فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ٩٥

التجريدالحنفيةالمسائل ٣٬٠٦٨ إلى ٣٬١١٩

  1. ١/٤٣٥١/٤٣٥

    الإسفار بالفجر أفضل

  2. قال أصحابنا: الإسفار بالفجر أفضل.

  3. وقال الشافعي: التغليس أفضل.

  4. لنا: ما روى عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله بن مسعود، فلما كانت ليلة المزدلفة طلع الفجر، فقال: أقم، قلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.

  5. فقد أخبر أن هذه الصلاة غيّرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن وقتها، فلم يجز أن يكون عن وقت الجواز، فلم يبق إلا أنه غيرها عن وقت الفضيلة.

  6. ولا معنى لقولهم: إنه يجوز أن يكون صلاها لما غلب على ظنه طلوع الفجر، وذلك غير مستحب عندنا وهو جائز؛ لأنه قال: لما طلع الفجر، وهذا يقتضي اليقين دون الظن، ولأنه لا يدخل وقت الفجر بغلبة الظن حتى يتبين الطلوع؛

  7. لأن ذلك مما يعلم بيقين.

  8. ١/٤٣٦١/٤٣٦

    ويدل عليه: ما رواه رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أسفروا بالفجر؛ فكلما أسفرتم فهو أعظم لأجوركم) )، وروى جابر بن عبد الله قال: أخبرنا بلال مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أسفروا بالصبح -أو بالفجر-؛

  9. فإنه أعظم للأجر) ).

  10. وروى عاصم بن عمر بن قتادة الظفري أن رجلًا من قومه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أصبحوا بالصبح؛ فإنه كلما أصبحتم بالصلاة كان أعظم للأجر) ).

  11. قالوا: هذه الأخبار محمولة على الأمر بالصلاة عند إسفار الفجر، وهو اليقين بطلوعه.

  12. قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلام خرج على طريق التفضيل، وما لم يتيقن بطلوع الفجر لا تجوز الصلاة، فكيف يفاضل بينها وبين الجائز.

  13. وقولهم: إنه يجوز عندنا إذا غلب على ظنه وإن لم يتيقن، ليس

  14. ١/٤٣٧١/٤٣٧

    بصحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل،

  15. فلا يجوز إسقاط اليقين بغلبة الظن، ولأن الإسفار في اللغة ضد التغليس،

  16. فلو حمل على طلوع الفجر لكان التغليس هو الإسفار، أو يكون التغليس بعد الإسفار، وهذا لا يصح، ولأنه قال في الخبر: ((كلما أسفرتم كان أعظم لأجوركم) ) وهذا يدل على فضيلة التأخير وإن تيقن الطلوع، وذلك لا يكون إلا على قولنا.

  17. ولأن تأخير الفجر يؤدي إلى تكثير الجماعة، فكان أفضل؛ لقوله - عليه السلام -: ((كلما كثرت الجماعة فهو أفضل) ).

  18. ولا يلزم تأخير المغرب؛ لأنا استدللنا بعموم الخبر،

  19. فلا يرد عليه نقض. ولأن لوقت الصلاة أول وآخرا،

  20. فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأول الوقت في موضوع المواقيت جاز أن تتعلق بآخره. وكل من قال بذلك قال بتأخير الفجر. ولأن الصلاة أخص بآخر الوقت من أوله؛ ألا ترى أنه مأمور بفعلها في أوله غير منهي عن تركها وهو في آخره مأمور بفعلها منهي عن تركها،

  21. فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأوله فتعلقها بآخره أولى. ولأنها صلاة نهار فجاز أن تعلق الفضيلة بتأخيرها، كالظهر في الصيف.

  22. احتجوا: بحديث ابن مسعود وأم فروة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها) ).

  23. والجواب: أن هذا الخبر روي من طرق كثيرة، وفيه: ((الصلاة لوقتها) ) ولم يذكر أول وقتها إلا شاكا.

  24. فدل على أن العموم أصل الخبر والخصوص تأويل الراوي. ومتى كان الخبر

  25. ١/٤٣٨١/٤٣٨

    ((الصلاة لوقتها) ) لم يكن فيه دلالة،

  26. ولو ثبت ما قالوه احتمل أن يكون أول وقت جوازها واحتمل أول وقت وجوبها:

  27. فإن كان وقت الجواز المراد فهو دلالة لهم،

  28. وإن كان وقت الوجوب فهو لنا؛ لأنه آخر الوقت عندنا، فسقط التعلق به.

  29. احتجوا: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله) )، قالوا: والعفو هو المغفرة، وذلك لا يكون إلا عن تقصير، ولذلك قال أبو بكر الصديق: رضوان الله أحب إلينا من عفوه.

  30. والجواب: أن العفو يعبر به عن الغفران، ويعبر به عن التخفيف والتسهيل، ومنه قوله - عليه السلام -: ((عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) ).

  31. فإن كان المراد بالعفو التسهيل فكأنه قال: آخر الوقت سهّل الله تعالى تأخير الصلاة إليه، وذلك لا ينفي الرضوان.

  32. ولو سلمنا أن العفو لا يكون إلا عن تقصير لم يدل الخبر بأن آخر الوقت يكره التأخير إليه؛ لأنه يوجب وقوع بعض الصلاة عند الطلوع أو في حالة لا يؤمن معه الطلوع، وذلك يكره عندنا، فقد قلنا بظاهر الخبر.

  33. قالوا: روي عن عائشة أنها قالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

  34. ١/٤٣٩١/٤٣٩

    ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس.

  35. والجواب: أن هذا كان في حال حضور النساء الجماعة، فيجوز أن يكون قدم الصلاة حتى لا يطلع عليهن الرجال، ولهذا كان يحبس الرجال في المسجد حتى تنصرف النساء.

  36. ولا معنى لقولهم: إنها حكت المداومة؛ لأن قولها: ((إن كان ليصلي) ) يقتضي وقوع الفعل دون استمراره.

  37. قالوا: روى أبو مسعود البدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح مرة فغلَّس ومرة فأسفر،

  38. ثم لم تزل صلاة التغليس إلى أن فارق الدنيا، لم يعد إلى أن يسفر.

  39. والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسفر عند البيان حتى كادت الشمس أن تطلع، وهذا الإسفار لم يعد إليه؛ لأنه يكره عندنا في غير حال البيان.

  40. فأما قوله: لم يزل صلاة التغليس: فقد علمنا من فعله خلاف ذلك؛ بدلالة خبر ابن مسعود.

  41. قالوا: روت عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة لوقتها الأخير إلا مرتين حتى قبضه الله.

  42. قلنا: وقتها الأخير يمنع منه عندنا؛ لأنه لا يأمن معه الفوات، والكلام في

  43. ١/٤٤٠١/٤٤٠

    التأخير على هذا الوجه.

  44. قالوا: صلاة مفروضة لا تقصر فكان فعلها في أول وقتها أفضل، كالمغرب.

  45. قلنا: التفضيل يقع بين الجائزين، وعندهم لا وقت للمغرب إلا واحد، فكيف يفضل بين الصلاة في وقتها والفائتة؟

  46. فأما على أصلنا فيكره تأخير المغرب، والتفضيل لا يقع بين الجائز والمكروه.

  47. ثم نعكس فنقول فكان فعلها فيما يقرب إلى النهار أفضل، كالمغرب.

  48. قالوا: صلاة مكتوبة، فوجب أن يكون فعلها في أول وقتها من غير عذر أفضل، أصله: الظهر في الشتاء.

  49. قلنا: تعجيل الظهر في الشتاء يؤدي إلى تكثير الجماعة؛ لأنه لا يؤمن من الحوادث من المطر وغيره، فوزانه أن يؤخر الفجر؛ لأنه أكثر جماعة.

  50. ولا يلزم المغرب؛ لأن كلامنا في التفضيل، وتأخيرها مكروه، فلذلك لا يؤخر وإن كثرت الجماعة.

  51. قالوا: فعلها في أول الوقت أبعد من المخاطرة والنسيان. وهذا يبطل بالظهر في الصيف، ولأن الناسي غير مكلف لما نسيه؛

  52. فلا معنى لتعجيل الصلاة لأجله.