في بقاء الروح، وذكر النفس والروح، وذكر فتنة القبر
النوادر والزياداتالمالكيةالمسائل ٨٬١٤٩ إلى ٨٬١٧٥
-
١/٦٥٧١/٦٥٧
قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة، وأئمة الدين في الأرواح، أنها باقية، فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون. قال الله تعالى في الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} إلى قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}
-
الآية. وهذا والذين من خلفهم بعد في الدنيا. وقال في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}
-
. وهذا قبل قيام الساعة: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}
-
. وقال: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
-
. ولم يقل: فيميت التي قضى عليها الموت. فوفاة النفوس والأرواح تُوَفِّي قبض، لا تُوَفِّي بلا شيء. قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}
-
. وذلك زوال الروح عن الجسد. وقال في الكفار: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ}
-
. ولم يقل: إنهم يميتوا أنفسهم. وقال في قول من قال من الموتى: {رَبِّ ارْجِعُونِ}
-
، فهذا قول الروح،
-
وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء
-
١/٦٥٨١/٦٥٨
يرزقون، فكذلك لا يدفع أن يكون من سعد بطاعته، أن تكون روحه حيا منعما، ويتفاضلون في الدرجات، وقد تظاهرت الأحاديث بنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت، قبل القيامة، وأنها تأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة، يقول: تأكل كما قال في الشهداء: {يُرْزَقُونَ}
-
. وهذا لا يدفعه إلاَّ زائغ أو ملحد.
-
وأما حديث في حواصل طير، فليس بصحيح،
-
والصحيح ما ذكرنا، مما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا يرجع إلاَّ إلى جسده الذي كان فيه، وبذلك جاء الحديث في النفخ في الصور، ليخرج به الأرواح، كل روح إلى جسده. واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد. وإليه ذهب غير واحد مِنْ أَصْحَابِنَا، منهم سعيد بن محمد الحداد.
-
وذكر أصبغ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة: أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول: بلغني أن الروح له جسد، ويدان، ورجلان، ورأس، وعينان، يسل من الجسد سلا. وفي رِوَايَة ابن حبيب، عن
-
١/٦٥٩١/٦٥٩
أصبغ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عن عبد الرحيم، أن النفس هي التي لها جسد مجسد قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهي جسد مخلق مركب عليه خلق، وخلق في جوفه خلق، يسل من الجسد عند الوفاة، بخلقها وصورتها، ويبقى الجسد جثة. وذكر ابن الْقُرْطِيِّ في (كتابه) ، نحو رِوَايَة ابن حبيب.
-
ذكرها عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وقال: والروح كالماء الجاري فيها. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج،
-
فلا حياة للنفس إلاَّ به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح، وتألم وتغفل، وتسمع وتبصر، وتتكلم الروح لا تلذ ولا تألم،
-
ولا تعرف شَيْئًا. والنفس تقبض عند النوم، كما قال الله تعالى، وتبقى الروح لا تعرف شَيْئًا. والنفس هي التي تَرَى في منامها، وتألم وتحزن وتفرح،
-
فمن انقضى أجله تبع روحه نفسه في المنام، فكان ذلك توفيه، وهو من قول الله تعالى: {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}
-
. فهي التي ترجع إلى جسدها ما بَقِيَ من تمام أجلها. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، عند المضطجع: «اللهم إن أمسكت نفسي، فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك» . ومنه قول الله تعالى: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ
-
١/٦٦٠١/٦٦٠
فِيهِ}
-
. يقول من وفات نومكم، و {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}
-
، أجل الموت: {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}
-
، يقول: بالموت. فليست تموت الأنفس والأرواح، وإِنَّمَا تموت الأجساد بخروج النفس،
-
ثم هي حية عند الله باقية. فهذا ما في (كتاب ابن حبيب) ، ولم يقل أصبغ في رِوَايَة العتبي: إن النفس غير الروح.
-
ولا ذكر النفس، وإِنَّمَا قال: الروح هو الذي له جسد مجسد، والله أعلم، والذي ذكر في الحديث؛ «أن أرواح المؤمنين تأوي إلى قناديل» . ولم يذكر النفس، والله أعلم. وكيف كان ذلك،
-
فلا شك أن الأرواح الخارجة من الأجساد باقية.