فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

باب سيرة الإمام العدل فى مال الله عز وجل

النوادر والزياداتالمالكيةالمسائل ١٩٬٤٠٤ إلى ١٩٬٥٤٥

  1. ٣/٣٨٤٣/٣٨٤

    وهذا الباب كثير منه فى كتاب الزكاة وفى غير باب من الجهاد. وفى الثالث من كتابالجهاد باب فى الغنائم والخمس وسهم ذى القربى.

  2. قال ابن حبيب: مال الله سبحانه الذى جعله رزقاً وقوةً لعباده المؤمنين على ايدى ولاة الأمر من عباده مالا ن: فمالا جعله للفقراء وحرمه على إلاغنياء، ومال آسى فيه بين إلاغنياء والفقراء.

  3. فالمال الذى خص به الفقراء: ما أخذ من الزكاة من عين وحرث وماشية وزكاة معدن وزكاة فطر. فقال الله سبحانه: (انما الصدقات/للفقراء والمساكين والعام لين عليها) ، إلى قوله: (وابن السبيل) إلاية، فسمعت محمد بن السلام البصرى يقول: الفقير الذى له علقة مال، والمسكين المدقع الذى لا شىء له.

  4. قال ابن حبيب: والعام لون: السعاة، لهم بقدر العمل وقربه وبعده إذا عدلوا فى أخذها وصرفها فى حقها، وانقطع سهم المؤلفة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستألفهم بكثرة العطاء ليسلم من قومهم بأسلأمهم، وهو من إلاستيلاف لا من إلالفة.

  5. فكان يعطيهم من الزكاة ومن الفىء، فكان ذلك أيام النبى صلى الله عليه وسلم وأيام أبى بكر.

  6. ثم قطعه عمر وتأول ان الإسلام قد كثر وعز واستغنى عن ذلك. وقال ذلك لأبى سفيان وهو منهم، وأبقى حقهم فى الفىء كخق سائر الناس. وقوله: (وفى الرقاب) ، الرقبة تعتق من الزكاة وقد اجيز ان يعتق فيها سهم يتم به عتقها لا على ان يبقى منها شيئ رقيقاً.

  7. وكذلك ما يعتق به المكاتب (الغارمين) منعليه دين فى غير سرف ولا فساد ولا شىء له أو له مال احاط به الدين، فليعط منه، ويعطى من الفىء ايضاً.

  8. وكذلك على الإمام ان يقضى عنه.

  9. ٣/٣٨٥٣/٣٨٥

    وروى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال: من ترك ديناً فإلى. وقاله ابن شهاب وعمر بن عبد العزيز: ان على الأمير قضاءه عنه من مال الله. وقوله سبحانه: (وفى سبيل الله) : فى الجهاد (وابن السبيل) :هو المسافر يحتاج فى غربته وهو غنى ببلده.

  10. وانما هى فى إلاصناف على الإجتهاد لا على يسأوى القسم فى هذه إلاصناف.

  11. وكذلك قال على بن أبى طلب وابن عباس.

  12. قال انب الماجشون: ولافقراء والمساكين أولادهم إلا ان يكون عدو قد اظل. قال مالك:

  13. ولا يحمل منها إلى الإمام شىء/ولتقسم فى مواضعها إلا ان يرى الإمام حمل شىء منها إلى فقراء موضعه أو إلى بعض عمله من حاجة وفاقة هم بها فله ذلك ويكرى على نقلها منها، ورواه مطرف وابن وهب عن مالك.

  14. قال مالك: ونصيب من هو اشد فاقة وتعففاً عن المسألة وصلاحاً أجزل من نصيب أهل السؤال وفساد المال ولكل فيها نصيب. قال ابن حبيب:

  15. ولا بأس ان يعطى المسكين المتعفف العشرين درهماً وإلاربعين إلى مائة درهم، وقاله عروة ابن الزبير.

  16. قال ابن حبيب: ومن الطعام المدين ونحوهما، ويعطى من له العيال اكثر من ذلك بالإجتهاد، ويعطى من له مسكن وخادم لا فضل فيها عن كفايته.

  17. وإما من له غير ذلك من غنيمة أو مزروعة أو شجر،

  18. فإن كان فى ثمن ذلك ما يغنيه عن الصدقة لم يعط ولا يجزى من اعطاه. وأم كان لو باعه لم يسد عنه مسداً مثل الدريهمات والدنانير القليلة فليعط.

  19. ولا يقوى منها الحاج الغنى

  20. بخلاف الغازى، ولا يشترى منها مصحف ليسبل.

  21. ولا بأس ان يفك منها أسارى المسلمين، وذلك داخل فى عموم ذكر الرقاب.

  22. وذكر حديث مالك: لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة،

  23. ولا يرتزق منها الإمام ولا عماله وقضاته. وكره مالك للرجل الصالح ان يعمل على الصدقة ان

  24. ٣/٣٨٦٣/٣٨٦

    كان الإمام لايعدل. فإن اكره فلا ياكل منها ولا يأخذ شيئاً. وما جاء ان لا تحل الصدقة لآل محمد، فهم نبوا هاشم فمن دونهم، لا يدخل فى ذلك من فوقهم من بنى عبد مناف وغيرهم، قاله مطرف وابن الماجشون.

  25. وكذلك عندهما الموإلى. وقال ابن القاسم: تجوز/لموإليهم. واجاز ذلك للجميع فى التطوع، وخالفاه. وقد جاء فى الحديث وعن السلف ما شد قولهما،

  26. فإما الهبة والعطية فمجتمع على اجازتهما لهم حتى تسمى صدقة.

  27. قال ابن حبيب وإما المال الذى آسى فيه بين إلاغنياء والفقراء فهو فىء من خمس وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج ارضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدنة، وما يؤخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة وخمس الركاز. قال عمر بن عبد العزيز: آية الفىء وآية الخمس سواء، وهو قول مالك وأصحابه.

  28. قال ابن حبيب: وقول الله تبارك وتعالى فى إلايتين: (فلله) ، فهو مفتاح كلام فيما أمرنا ان نجعله فيه وقوله: (وللرسول) ،يقول، يجعله فى مواضعه لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ما لى مما افاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم.

  29. وكذلك قوله فى إلانفال: أنها لله وللرسول، يقول: الحكم فيها. وقوله (ولذى القربى) قرابة النبى صلى الله عليه وسلم، بنو هاشم فمن دونهم وهم آل محمد، فوسع عليهم من الخمس لا على سهم لهم معلوم، وبذلك عمل العمران. وليس على ان يقسم ما ذكر فى إلايتين على خمسة أجزاء، بل هو اعلم بوجوهه كما ذكر فى ثمانية اصناف فى الزكاة.

  30. وكذلك عمل الخلفاء وأئمة العدل فى ذلك كله. وتأول قوم ان خمس الخمس للرسول صلى الله عليه وسلم يضعه حيث اراه الله تعالى وان منه اعطى المؤلفة قلوبهم وما/أكثر من العطاء يوم حنين.

  31. وان ذلك كل من ولى الأمر بعده: له خمس الخمس يضعه فيما يخص به الإسلام وأهله.

  32. ٣/٣٨٧٣/٣٨٧

    وخمس آخر من الخمس لذى القربى غنيهم وفقيرهم سواء، للذكر سهمان وللأنثى سهم، والثلاثة إلاخماس الباقية لليتأمى والمساكين وابن السبيل. وهذا ما قال بنو هاشم فيه: وأبى ذلك عليهم قومهم من قريش. قال ابن عباس: وأبى ذلك علينا قومنا. قال ابن حبيب: وانما كانوا يرون ذلك فى خمس الغنائم دون مال الفىء وشبهه.

  33. وقد أبى ذلك بقية قريش والخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان، وقاله عمر بن عبد العزيز.

  34. قال غير ابن حبيب: ولما ولى على عمل فى ذلك عمل أبى بكر وعمر حتى عاتبه ابن عباس، فقال على: تأولا وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهما، وقد كان رشيدين وما أحب ان يؤثر عنى خلافهما.

  35. قال ابن حبيب قال عمر بن عبد العزيز: آية الخمس كآية الفىء، أخبر الله سبحانه ان الله ولرسوله الحكم فى ذلك، فأجرى ذلك فى الخمس كما أجراه فى الفىء،

  36. ثم اخبر بمواضعها التى يجرى ذلك فيها على الإجتهاد لا على قسم معلوم.

  37. ولو كان كذلك لكان على معنى المواريث وتجريتها، ويسأوى فيه الغنى والفقير.

  38. ولو كان أمراً مرتباً للأول لورثت عنه ورثته، ولكان لهم حق فيما غنم النبى صلى الله عليه وسلم من صأمت وعرض وحيوان وعقار، فلم يعرف أنه كان منه عليه السلام فى ذلك فرض يعلم.

  39. وقد/قسم لهم يوم حنين مقسماً لم يعم به عام تهم ولا خص به قريباً دون احوج منه. وقد أعطى منه من لا قرابة له منه لما شكوا من الحاجة، وأعطى حلفاءهم.

  40. ولو كان حقاً ثابتاً لقرابته لكان أخواله وأخوال أبيه وجده ذوى قربى منه وكل من ضربه برحم.

  41. ولو كان ذلك لأعطاهم ذلك أبو بكر وعمر وعثمان. ولهم يفعل ذلك على حين ولى.

  42. ولو كان هذا وجهه لكان قد أعلمهم من ذلك ما يعمل به فيهم، ولكنه كما قال الله سبحانه: (كيلا يكون دولة بين إلاغنياء منكم) .

  43. فلو كان ذلك السهم جارياً لم يكن دولةً ولكن كان توراثاً يورث،

  44. ٣/٣٨٨٣/٣٨٨

    ولكن كان يقوم لهم بحقهم فى ذلك قرابتهم وحاجتهم كما يقوم بحق المسكين واليتيم لحاجته.

  45. فإذا استغنى زال حقه. ولم يكن الخلفاء الراشدون يصنعون هذا من حكم الله سبحانه، وهم القائمون بكل حق الله تعالى.

  46. وقد قال النبى عليه السلام: ما لى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأين ما قال هؤلاء من هذا؟

  47. قال ابن حبيب فى قوله فى اليتيم والمسكين يزول حقه بغنائه، يريد: لزوال إلاسم الذى به أخذوا وهو الفقير، والقرابة لذى القربى لا تزول بالغنى، ولكن خمس الخمس مرتباً لهم فرضاً، ولكن لهم منه ما رآه الإمام باجتهاده، يعطى فقيرهم وغيرهم من الفقراء والمساكين.

  48. وهذا فعل الخلفاء فيهم، وإنما لم يروا لهم سهماً مرتباً كالمواريث.

  49. وإما حق القرابة فقد كانوا يرعونها منهم ويؤثرونهم بها. وكذلك/استحب فى إلادنى، قإلادنى من قريش ممن هو اقرب بالنبى صلى الله عليه وسلم نسباً ورحماً يؤثر بقدر ذلك.

  50. قال مطرف قال مالك: ويعطى الإمام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس كل عام بقدر ما يرى من قتله وكثرته. وبلغنى ان عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك. وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة رضى الله عنها، يعطيهم كل عام اثنى عشر ألف دينار سوى ما كان يعطى غيرهم من ذوى القربى.

  51. وقد سأل عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم أن يكشف عن الكتيبة من خيبر هل هى خمس النبى صلى الله عليه وسلم من خيبر، فسأل عمرة فقالت: كانت هى الخمس الذى خرج للنبى صلى الله عليه وسلم من خيبر حين جزأها خمسة أجزاء، وأقرع بين ذلك وقسم ما بقى على ثمانية سهماً.

  52. ٣/٣٨٩٣/٣٨٩

    قال ابن حبيب: فما افاء الله على المسلمين بغير إيجاف فليسلك به مسلك الفىء ولا يستأثر به ولى الأمر. ومما أفاء الله على نبيه مما لا يوجف عليه أموال بنى النضير وفدك وبعض خيبر، فلم يجز فيها مغنماً ولا خمساً فكان القضاء فيه له خالصاً، فلم يصرفها صلى الله عليه وسلم ولا حازها لنفسه ولا لقربته ولا خصهم منها بسهم، ونظر فيها بما أراه الله، فكانت لنوائبه ونفقة نسائه وما يعدوه من أمور غير معتقد لشىء منها ولا مستأثر لنفسه ولا لمن بعده، فكان يخرج من غلتها نفقة نفسه وعياله سنةً، ويجعل ما بقى فى الكراع والسلاح، فكان هذا عمله فى غلة قريظة والنضير.

  53. وإما فدك، فجعلها لأبناء السبيل.

  54. وإما خيبر فجزأها على ثلاثة، ثلثاً للمهاجرين الذين آخرجوا من ديارهم/وثلثاً لرجال من إلانصار، وثلثاً لفقراء المسلمين. وأراد نساؤه أن يطلبن بعده ميراثهن من ذلك، وظنن أنه ملك له فقالت لهن عائشة: ألم يقل: لا نورث ما تركنا صدقة؟ وقاله لهن أبو بكر فأمسكن.

  55. ثم وليها أبو بكر بمثل ذلك، فكان يخرج منها نفقة عمالها،

  56. ثم نفقة أزواج النبى صلى الله عليه وسلم،

  57. ثم يفرق سائرها فى المسلمين.

  58. ثم وليها عمر بمثل ذلك حتى سأله على والعباس ان يوليها إليهما ففعل على ان يفعلا فيها كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، ففعلا. فكان أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يرتزقن منها حتى متن، فمضت صدقةً للمسلمين إلى اليوم ولم يرث أحد منها من ورثة من كان يجرى عليه النفقة منها، ولم يكن لأحد ممن ولى الأمر بعد النبى صلى الله عليه وسلم منها ما كان له، بل كانوا أسوةً للمسلمين.

  59. وكذلك ما أفاء الله بعده بغير إيجاف فهو لجميع المسلمين. وكطذلك قال عمر بن عبد العزيز ومالك وأصحابه.

  60. قال ابن حبيب: والسيرة التى مضى عليها أئمة العدل فى قسم الفىء وشبهه أن يبدأ فيسد خلل تلك البلد التى جبى فيها أو أفىء فيه، ويسد حصونه ويزيد فى كراعه وسلاحه، ويقطع منه رزق عمال ذلك البلد وقضاته والمؤذنين ومن يلى شيئاً من مصالح المسلمين،

  61. ثم يخرج عطاء المقاتلة الذين دونهم من أهلذلك البلد لجهاد عدوهم،

  62. ثم للعيال والذرية وسائر المسلمين على قدر المال، ويبدأ بالفقراء.

  63. ٣/٣٩٠٣/٣٩٠

    فما فضل حمله إلى بيت المال يقسمه على من عنده من المسلمين، فيبدأ فيه بمثل ما بدأ فيه فى البلد الذى أخذ فيه.

  64. وإن لم يكن فيه/ما يعم الفقراء وإلاغنياء آثر الفقراء كما بدأ الله بهم فقال: (كيلا يكون دولة بين إلاغنياء منكم) . إلا ان تنزل ببلد سنة وشدة وليس عندهم ما يحملهم، فليعطف عليهم من غيرها بقدر ما يراه.

  65. وإذا اتسع المال فليبق منه فى بيت المال لما يعرو من نوائبهم وبناء مساجد وقناطر وغزو وفك أسير وقضاء دين ومعونة فى عقل جراج وتزويج عازب وإعانة حاج وإرزاق من يلى مصالهم ويدبر أمورهم.

  66. قال عبد الله بن عبد الحكم فى قسم الفىء الذى يصير فى بيت المال: أن يبدأ فيعطى الرجال المقاتلة من جميع البلدان، ويعد فيهم من بلغ خمس عشرة سنةً، ويحصى ذرية المسلمين ممن بلغ دون السن أو دون المحتلم من ذكر أو أنثى، ويحصى النساء، ويعلم ما يحتاج الجميع إليه فى عام هم ويبدأ بالمقاتلة فيسد بهم الثغور وإلاطراف وعورات المسلمين، ويفاضل بينهم فى العطاء على قدر قرب المغزى وبعده مؤنته،

  67. ثم يعطى النساء والذرية والمنفوس لقوأم عام هم،

  68. ولا يعطى المماليك، وليعط إلاعراب وأهل البوادى ممن له قرار أو لا قرار له، كما يعطى النساء والذرية والزمنى، لا كما يعطى المقاتلة لأنهم حشوا الإسلام وبقدر المؤنة.

  69. وكذلك الزمنى من أهل الحاضرة، وإنما العطاء للمقاتلة من أهل المدائن ممن تضرب عليهم البعوث، فليس هؤلاء كإلاعراب: أولئك إنما يعطون لحرمة الإسلام كالذرية.

  70. قال عمر بن عبد العزيز: إلا من انتقل من دار أعرابية إلى دار الهجرة وجهاد العدو، فهو أسوة المجاهدين فيما أفاء الله عليهم.

  71. قال ابن عبد الحكم: /وما فضل عم به المسلمين فقيرهم وغنيهم، الرجال والنساء والذرية بقدر ما يرى.

  72. وإن قل ذلك آثر الفقراء به بعد أن يقيم منه ما يحتاج إليه من مصالح المسلمين وما يقوم به أمورهم.

  73. وإذا أصاب إلاعراب سنة فلا بأس ان يعينهم منه، وقد فعله عمر.

  74. ٣/٣٩١٣/٣٩١

    ذكر بعض ما روى من السيرة فى مال الله عز وجل

  75. عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء بعده

  76. من الواضحة قال ابن حبيب قال ابن شهاب: قدم أبو عبيدة على النبى صلى الله عليه وسلم من البحرين بجزية مجوس أهل البحرين. قا قتادة وهو ثمانون ألفاً. قال ابن حبيب وهو أكثر مال قدم به عليه صلى الله عليه وسلم.

  77. قال ابن شهاب: وقدم ليلاً، قعد إلانصار فصلوا مع النبى صلى الله عليه وسلم. فلما سلم تبسم فقال: (أظن أنه بلغكم قوم أبى عبيدة بالمال، فأبشروا بما يسركم الله، فوالله ما أخاف عليكم الفقر ولكن أخاف عليكم الغنى أن تبسط لكم الدنيا كما بسطت لمن كان قبلكم فتنافسوا فيها، فتهلككم كما أهلكتكم) .

  78. قال قتادة: فصب المال على حصير ففرقه وما حرم منه سائلاً. وجاء العباس فقال: خذ، فجعل يحثى فى حجره حتى عجز عن حمله وقال: هذا خير مما أخذ منا. ورأيت فى غير كتاب ابن حبيب: فاستعان بمن يعينه على القيأم به، فنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم حتى نقص منه حتى قوى على النهوض به.

  79. قال ابن حبيب: وسأله حكيم بن حزأم أن يعطيه من فىء الفتح فأطاه،

  80. ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فقال: خير/لأحدكم إلا يأخذ من أحد شيئاً. قيل:

  81. ولا منك يا رسول الله؟ قال:

  82. ولا منى. وكا نعمر يعرض عليه العطاء فلا يأخذه.

  83. وقدم على أبى بكر حملأن من مال اليمأمة فما أمسى حتى فرقه، وجمع المهاجرين وإلانصار وأبناء السبيل والمساكين، وكان يحثى بيديه ويجعل فى ثوب أحدهم حتى يفرغ. ولما ولى أبو بكر قال: من كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد فليأتنى، فأتاه جابر بن عبد الله، فقال: سألته فقال: إن جاء مال اليمن

  84. ٣/٣٩٢٣/٣٩٢

    أعطيتك هكذا وهكذا، فحفن بيديه. قال: فلما جاء المال من اليمن أعطاه أبو بكر فحفن له ملأ يديه فقال: عدها، فوجدها خمسمائة فزاده عليها ألفاً.

  85. وكان أبو بكر قد سأوى بين الناس فى القسم. قال غير ابن حبيب (ولم يكن يكثر المال فى أيامه.

  86. قال ابن حبيب):وفضل عمر بين الناس فى العطاء. قال يحيى بن سعيد: بلغت الغنائم يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف، فبعث سعد بن أبى وقاص خمسها إلى عمر، فاستكثره هو والمسلمون، فصب فى المسجد وغطاه بالمسوح وإلانطاع وبات عليه جماعة منهم على بن أبى طالب وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف وعبد الله بن أرقم، وكان خازن عمر على مال المسلمين.

  87. فلما أصبح عمر دعا بالناس ثم كشف عنه.

  88. فإذا فيه حلى وجوهر وتيجان، فلما أضحى، أصابتها الشمس فائتلقت، فحمد عمر والمسلمون الله حمداً كثيراً، وفرح المسلمون وبكى عمر واشتد بكاؤه، فقال له عبد الرحمان بن عوف: يا أمير المؤمنين ليس هذا حين بكاء إنما هذا حين شكر الله، فقال عمر: والله ما فتح هذا على قوم إلا قطعوا أرحأمهم وسفكوا دماءهم ووقعت/العدأوة بينهم.

  89. وكان فى المال تاج كسرى وسواراه وفروه، فدعا عمر سراقة بن جعشم، وكان رجلاً طوإلا طويل الشعر، فألبسه فرو كسرى ووضع تاجه على رأسه وسواريه فى يديه،

  90. ثم قال: اللهم لك الحمد، أنت سلبت هذا كسرى وألبسته سراقة، فلك الحمد كثيراً،

  91. ثم أمره أن ينبذ ذلك فى المال ففعل،

  92. ثم قال: اللهم منعت هذا نبيك إكرإما له وفتحته على لتسألنى عنه، اللهم فقنى شره واجعلنى أنفقته فى حقه. فما برح حتى لم يبق منه شىء.

  93. قال مالك: كان عمر لا يأتيه مال إلا أظهره ولا رسول إلا أنزله، وكا ن يقسم للنساء مع الرجال حتى كان يعطيهن المسك والورس. قال حذيفة: لم يزل أمركم ينمو صعداً ما كان عليكم خياركم. وكان عمر يستجيد الحلل الرفيعة باليمن،

  94. ٣/٣٩٣٣/٣٩٣

    ثمن ألفين وألف وخمسمائة يكسوها الصحابة، ويلبس هو الخشن والمرقوع يأخذ فى نفسه بالقصد. قال: فخرج الحسن والحسين إلى المسجد، وعمر جالس، ولم يلبساها، فقال عمر: لما لم تلبساها، فقإلا: كبرت علينا يا أمير المؤمنين، فاغتنم وأسرع بكتاب إلى عام ل اليمن يستحثه فى حلتين على قدرهما، فبعث بهما فكساهما ذلك عمر وجعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما.

  95. قال ابن حبيب: ولا تكون الحلة ثوباً واحداً ولكن رداء مئزراً ورداء وجبة. يدل على ذلك قول أسيد بن حضير الذى كان يبيع حلته ويعتق بها الرقاب، فقال وقد أعتق بثمنها خمسة أرؤس: إن رجلاً آثر قشرتين يلبسهما على عتق هؤلاء أنه لغبى الرأى./

  96. قال ابن حبيب: ولما كثر المال أيام عمر، فرض العطاء ودون لهم ديواناً فاضل فيه بينهم. وأمر شباب قريش بتدوينه، فكتبوا بنى هاشم،

  97. ثم الصديق وقومه، ثم عمر وقومه. فلما نظره، قال: ابدأوا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

  98. ثم إلاقرب فإلاقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله. وابدأوا من إلانصار بسعد بن معإذ ثم إلاقرب فإلاقرب منه، فقال العباس: أنه وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. فقال له: يا أبا الفضل لولا رسول الله ومكأنه الذى وضعه الله به كنا كغيرنا من العرب، وإنما تقدمنا بمكاننا منه.

  99. فإن لم يعرف لأهل القرابة منه قرابتهم لم تعرف لنل قرابتنا.

  100. وقال لأهلمشورته: أشيروا على فإنى أريد أن أفاضل بين الناس، فقالوا: إذكر ما تريد،

  101. فإن كان حسناً تابعناك، وإلا أعلمناك برأينا. فقال: أريد أن أبدأ بإزواج النبى صلى الله عليه وسلم فأفرض لكل واحدة اثنى عشر ألف درهم إلا صفية وجويرية، فأفرض لكل واحدة ستة إلافز وأفرض لآل الرسول لكل رجل اثنى عشر ألفاً، فذكر علياً والعباس والحسن والحسين.

  102. قال: وأفرض للمهاجرين صليبهم وحليفهم ومولاهم لكل رجل منهم خمسة إلاف، (وأنا رجل منهم فى الفرض. وأفرض لأهلبدر من قريش وغيرهم صليباً وحليفاً ومولى مثل ذلك. وأفرض للأنصار صليبهم

  103. ٣/٣٩٤٣/٣٩٤

    وحليفهم ومولاهم لكل رجل أربعة إلاف) ثم أفرض للناس بقدر منازلهم فى الإسلام، وأعطى (أكثر حظاً من كان) أكثرهم قرآناً وعلماً وأحسنهم حإلا، فلم ينكروا من رأيه شيئاً.

  104. وفرض لصهيب خمسة إلاف ولسلمان أربعة إلاف لإبنه عبد الله ثلاثة إلاف ولأسأمة بن زيد ثلاثة إلاف وخمسة مائة. فقال ابنه: /ليس أسأمة أقدم منى إسلإما ولا شهد ما شهدت. فقال عمر: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه أحب إليه من أبيك.

  105. وفرض لأبناء شهداء بدر وأحد لكل واحد ثلاثة إلاف ولمهاجرة الفتح ألفين ألفين، وفرض للقبائل بعد عل ىقدر منازلهم فى الإسلام حتى فرض لربيعة العراق ثلاثمائة لعربهم ومائتين وخمسين لموإليهم، لأن عربهم سبقوا إلى الإسلام.

  106. قال: فقال ربيعة: جعلتنا أوضع العرب فريضةً. فقال: كنتم آخر العرب إسلإما وأسلمتم فى دياركم ولم تهاجروا. وفرض للمنفوس مائة درهم فى السنة، وفرض للعيإلات لكل عيل من ذكر وأنثى من بر من كل شهر وقسطين من زيت وقسطين من خل ومائة درهم فى كل سنة.

  107. قال ابن حبيب: الجريب قدر قفيز بالقرطبى، والقسط ثمن ربع الزيت بالقرطبى. قال: وقال عمر: لئن بقيت لأجعلن عطاء الغازى أربعة إلاف. وقال أيضاً: لئن بقيت لأعطين المهاجرين فى السنة (خمسة أعطيات، وفى حديث آخر: لجعلن عطاء كل مسلم) ثلاثة إلاف.

  108. وجعل عمر على بيت مال المسلمين وخزائنهم عبد الله بن أرقم،

  109. ثم جعله عثمان بن عفإن، فأقام عليها ست سنين،

  110. ثم استعفى فعفاه وأمر له بعمالته ثلاثمائة ألف درهم، فلم يأخذها وقال: إنما عملت لله.

  111. ٣/٣٩٥٣/٣٩٥

    قال الحسن: وكان عثمان لما ولى يقيم للناس إلاعطية كما فعل عمر، ويعطى الحلل والسمن والعسل، فكان العطاء داراً والعدو منفياً وذات البين حسناً والخير كثيراً، وما عىلى الارض مؤمناً يخاف مؤمناً أن يسل عليه سيفاً حتى زعموا أنهم رأوا ثرةً.

  112. فلو صبروا لوسعهم/ماكانوا فيه من العطاء والتكمين ونفى العدو. وقال ابن سيرينك كثر المال أيام عثمان حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم ونخلة بألف درهم. قال: ولما ولى عمر على بن أبى طالب سار فى قسم المال بالعراق سيرة عمر غير أنه لم يفاضل فيه بينهم.

  113. قال: وأخبره صأحب بيت ماله بما قد اجتمع فيه قال: قد أمتلأ من صفراء وبيضاء، ففتحه وقال: (هذا جبائى وخيارةً فيه وكل خار يده فيه) ،

  114. ثم قسمه بن الناس كله وأمر بكنسه ونضحه وقال فيه قا ل محمد بن على بن حسين: وصنع فى الخمس ما صنع أبو بكر وعمر كان يكره خلافهما.

  115. قال ابن حبيب: وولى عمر بن عبد العزيز بعد أن حال الأمر عن طريقة العدل فى دين الله وسيرة الخلفاء فى مال الله، فغير البدع ورد المظالم سار بالعدل ورفض الدنيا وسار فى المال سيرة جده حتى مات رحمه الله.

  116. وقال عمر بن عبد العزيز: ما من أحد إلا وله فى هذا المال حق من الفىء والخراج وشبهه، من المقاتلة وغيرهم، من غنى وفقير. وقد قسم الصديق ما جاءه من الخراج من مجوس البحرين ومن عمان، ولاخمس الذى بعث به خالد بن الوليد من قرايات العراق التى صالح عليها، ولم يكن يومئذ ديوان، وسأوى بين الناس، وأعطى من يغزو ومن لا يغزو والغنى والمحتاج عطاءً واحداً.

  117. وقد قال عمر بن الخطاب بعد أن قسم للمقاتلة وغيرهم: ما من أحد إلا وله فى هذا المال حق أعطيه أو منعه إلا المملوك/. وكان معأوية من دونه يدرون العطاء لأهل المدينةرولا يضربون عليهم البعث، ويقولون: لا بعث عليهم. فلو كان

  118. ٣/٣٩٦٣/٣٩٦

    لا يصلح لهم لم يأخذوه. وكان القاسم بن محمد وابن المسيب وشبههما يأخذون وهم لا يغزون.

  119. وكان عمر بن عبد العزيز يفرض لمن يغزو ولمن لا يغزو، ويسوى بين الناس فى العطاء الرجل والمرأة والصغير والكبير والغنى والفقير. وكتب إلى أبى بكر بن حزم: افرض للناس إلا للتاجر الموسر الموسع عليه، وفرض للمنفوس وقال: لو بقيت خمسين سنةً لظننت أنى لا آتى على الحق كله.

  120. وأمر أن ينفق على أبناء السبيل من مرض منهم،

  121. ومن هلكت دابته أخلفت له.

  122. ومن ضعف فليقو. ومن عليه دين فى غير سرف ولا فساد قضى عنه.

  123. وكذلك بعد موته ولم يجد قضاء.

  124. وكذلك من لم يجد ما يتزوج به فزوجوه.

  125. قال: وكان يكثر العطاء، وربما طلب الرجل من يعطى صدقته فلا يجد أحداً إلا وقد أعطاه عمر من مال الله.

  126. وفرض عمر بن عبد العزيز لأهل المدينة، ففرض لزيد بن أسلم ولأبى حازم وصفوان بن سليم وغيرهم ممن يشبههم، لكل رجل منهم فى كل شهر ستين صاعاً من بر وثلاثين صاعاً من تمر وفرق زيت ونصف فرق سمن ودرهم لحم كل يوم.

  127. قال: وأرسل إلى القاسم بن مخيمرة، وقد ذكر له فضله، فجاءه فوجد له فضلاً فقال: سل حاجتك، فقال: قد علمت ما يقال فى المسألة، فقال: ليس سؤإلى من ذلك، أنا قاسم بينكم حقاً لكم. قال: تلحقنى فى العطاء. قال: قد ألحقتك فى خمسين، سل حاجتك.

  128. قال: وتلحق بناتى فى العيال. قال: قد فعلت، سل. قال: (تحملنى على دابة. قال قد فعلت، سل. قال) وما الذى بقى؟ قال: قد أمرنا لك بخادم./

  129. قال ابن حبيب: اختلف أئمة العدل فى التسوية والتفضل فى القسم بين الناس، فسأوى بينهم الصديق، فقال له عمر: أتجعل الفقراء المهاجرين الذين

  130. ٣/٣٩٧٣/٣٩٧

    آخرجوا من ديارهم وأموالهم كمن دخل فى الإسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر: تلك فضائل عملوها لله، ثوابهم فيها على الله، وهذا المعاش الناس فيه أسوة والدنيا بلاغ.

  131. فلما ولى عمر فاضل بين الناس بقدر البلاء والسابقة والفضل فى الإسلام ونحوه. وفعل عثمان مثله.

  132. وفعل على كفعل أبى بكر وأعطى المولى ومعتقه عطاءً واحداً ولمولاه سابقةً وكان أنصارياً فتكلم، فقال على: أسابقته مثل سابقتى؟ ما أنا أحق بهذا المال من وكيلى هذا. وولى عمر بن عبد العزيز ففعل بالوجهين: ففضل بقدر السابقة والحال، وقسم قسمين على العام ة بغير ديوان العطاء فسأوى فيه بين الناس.

  133. قال ابن حبيب: وذلك سائغ للإمام العدل، فضل أو سأوى. وأحب إلى أن يفضل ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وذرية أهل السوابق فى الإسلام، ويلحقوا بآبائهم وإن لم يلحقوا بهم فى ذروة الفضل، كما ألحق الله تعالى ذرية أهل الدرجات بهم فى جنته وإن لم يكونوا مثلهم فى الفضل، فقال (الحقنا بهم ذرياتهم) .

  134. قال: ويفضل أهل العلم والفضل فى القسم وإن لم يكن لهم قدم ولا سابقة فى آبائهم على من لا فضل فيه ولا علم. ويفضل المجاهدون وأهل النكاية، ولعل علياً لم يكن بين الذين لحضرته بالعراق كثير تفاضل فى الحال، وقد كان عنهم غير راض.

  135. ولا بأس إذا حضره مال أراد تعجيل قسمه لكثرة فىء أتاه وشبهه أن يقسمه على غير ديوان وعلى المسأواة. وقد فعل مثله عمر وقسمه غرفاً/باليدين سأوى فيه،

  136. وإن شاء فاضل فيه بالإجتهاد. قال: وقول عمر: لئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلائهم لم يرد به التسوية، إنما أراد التوسعة أن يكثر عطاءه حتى يصير نصيب أدناهم حينئذ مثل نصيب أعلائهم إلان لكثرة عطائه.

  137. قال ابن حبيب: ومن التفضيل إكرأم أهل العلم والفضل وتفضيلهم فى العطاء، كما كان عمر يكسو الصحابة الحلل دون غيرهم، وما خص به عمر بن عبد العزيز أهل المدينةرفى التوسعة، وما خص به المهدى وهارون مالكاً من سعة

  138. ٣/٣٩٨٣/٣٩٨

    العطاء دون غيره لفضله وعلمه وعنائه فى فقهه فتياه والنفع به، وهذا سائغ للإمام.

  139. وإن أراد أن يقسم على غير ديوان فليبدأ بالفقراء،

  140. ثم ما بقى يسأوى فيه بين الناس شريفهم ووضيعهم.

  141. وإن شاء فضل. وإن شاء حبس ذلك للنوائب بقدر اجتهاده، وقاله مالك. قال: ومعنى قوله: يسأوى فيه بين الناس بعد الفقراء، هو أن يعطى كل واحد ما يغنيه، الصغير ما يغنيه والمرأة ما يغنيها والرجل ما يغنيه، وما فضل اجتهد فيه.

  142. قال ابن حبيب: وهذا التفضيل بعينه، ولم ير مالك لمن سب السلف فى الفىء حقاً لقول الله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بإلايمان) إلاية، فهذه صفة من له فيه حق.